الشيخ عبد الغني النابلسي
308
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
ويرى الميت المقبور وغيره حيا ويرى الصامت من حجر أو شجر متكلما بنطق عربي فصيح ويرى القاعد من الناس وغيرهم ماشيا قبل إتيان الزمان الذي قدر مشيه فيه والعلامة الثانية من ذلك الخرس ، أي عدم القدرة على النطق بالكلية مع سلامة آلة النطق بحيث أنه لو أراد أن ينطق بما رآه من تلك الأمور الملكوتية لم يقدر على ذلك من غلبة الحيوانية عليه فحينئذ ، أي إذا كان بهذه المثابة فإنه يتحقق بحيوانيته كما ذكر . وقال المصنف قدس اللّه سره : كان لنا تلميذ ، أي مريد خادم لطريقنا طالب لعلمنا منا قد حصل له هذا الكشف المذكور في العلامة الأولى للتحقق بالحيوانية غير أنه ، أي ذلك التلميذ لم يحفظ عليه الخرس فكان ينطق ببعض ما يرى من ذلك لفوت العلامة الثانية منه فلم يتحقق بحيوانيته على الوجه التام ولما أقامني اللّه تعالى قال المصنف عن نفسه قدس اللّه سره في هذا المقام ، أي مقام الكشف المذكور تحققت بحيوانيتي في نفسي تحققا كليا فكنت في تلك الحال أرى ببصري وببصيرتي وأريد أن أنطق بما أشاهده من تلك الأمور فلا أستطيع لكمال تحققي بالحيوانية فكنت لا أفرّق بيني وبين القوم الخرس جمع أخرس الذين لا يتكلمون لعدم قدرتهم على الكلام . * * * فإذا تحقّق بما ذكرناه انتقل إلى أن يكون عقلا مجرّدا في غير مادّة طبيعيّة ، فيشهد أمورا هي أصول لما يظهر في الصّور الطّبيعيّة فيعلم من أين ظهر هذا الحكم في الصّور الطّبيعيّة علما ذوقيّا . فإن كوشف على أنّ الطّبيعيّة عين نفس الرّحمن فقد أوتي خيرا كثيرا . وإن اقتصر معه على ما ذكرناه فهذا القدر يكفيه من المعرفة الحاكمة على عقله : فيلحق بالعارفين ويعرف عند ذلك ذوقا : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ [ الأنفال : 17 ] . وما قتلهم إلّا الحديد والضّارب والّذي خلف هذه الصّور . فبالمجموع وقع القتل والرّمي ، فيشاهد الأمور بأصولها وصورها . فيكون تامّا . فإن شهد النّفس كان مع التّمام كاملا : فلا يرى إلّا اللّه سبحانه عين ما يرى . فيرى الرّائي عين المرئيّ . وهذا القدر كاف ، واللّه الموفّق الهادي .